أبو نصر الفارابي
28
كتاب السياسة المدنية
ومنزلة العقل الفعال من الإنسان منزلة الشمس من البصر . فكما أن الشمس تعطي البصر الضوء ، فيصير البصر بالضوء الذي استفاده من الشمس مبصرا بالفعل بعد أن كان مبصرا بالقوة ، وبذلك الضوء يبصر الشمس نفسها التي هي السبب في أن أبصر بالفعل . وبالضوء أيضا تصير الألوان التي هي مرئية بالقوة مرئية بالفعل ، ويصير البصر الذي هو بالقوة بصرا بالفعل . كذلك العقل الفعال يفيد الإنسان شيئا يرسمه في قوته الناطقة ، منزلة ذلك الشيء من النفس الناطقة منزلة الضوء من البصر . فبذلك الشيء تعقل النفس الناطقة العقل الفعال ، وبه تصير الأشياء التي هي معقولة بالقوة معقولة بالفعل . وبه يصير الإنسان الذي هو عقل بالقوة عقلا بالفعل . والكمال إلى أن يصير في قرب من رتبة العقل الفعال ، فيصير عقلا بذاته بعد أن لم يكن كذلك ، ومعقولا بذاته بعد أن لم يكن كذلك ، ويصير إلهيا بعد أن كان هيولانيا . فهذا هو فعل العقل الفعال ، ولهذا سمي العقل الفعال « 1 » . 5 و 6 - الصورة والمادة : والصورة هي في الجسم الجوهر الجسماني ، مثل شكل السرير في السرير ، والمادة مثل خشب السرير . فالصورة هي التي بها يصير الجوهر
--> ( 1 ) إن تشبيه العقل الفعال حيال عقل الإنسان بالشمس حيال البصر ورد عند أرسطو وأخذه عنه الفارابي وكرره في آراء أهل المدينة الفاضلة .